في قلب الغابة المسحورة، حيث تشم رائحة المطر حتى في الأيام المشمسة، كان المستكشف الفضولي يمشي حافي القدمين فوق العشب الرطب. كل خطوة تصدر "فش فش" لذيذة، والندى يلمس جلده بلطف كيد أم تمشط خصل شعره المجعد. كان يحمل عدسته المكبرة، يمدها أحياناً أمام عينيه ويهمس: "ما أغرب هذا النمش على ظهر الورقة!"
وقف على أعتاب شجرة جوز ضخمة، وأذناه تلتقطان طنين النحل وخرير جدول بعيد. فجأة، من شق ناعم في الجذع، ظهر مخلوق صغير بهيئة إبريق ماء فضي اسمه رنان. رنان كان متجعد الجسم، له غطاء أحمر صغير ويهز فمه ليصدر صوت "طنطن" كلما انزعج. قال رنان بصوت غليظ: "أوي، ابتعد عن ظلي! أحب الظل ولا أحب الزوار!" ابتسم المستكشف الفضولي، وفرك أصبعه الكبير بأنفه قائلاً: "لكنني أبحث عن سر الغابة العجيب! أأساعدك في سقي الأوراق؟"
تسللت رائحة العسل والنعناع بين الأغصان، وكأن الغابة تنصت وتضحك بين نفسها. أتعرفون؟ كل شيء يبدأ حين تظهر رائحة المطر ورنّة الإبريق في الجو...
ذات لحظة، وبينما المستكشف الفضولي يدقق في شقوق الجذع بعدسته، لمح شيئاً صغيراً يلمع كالنجمة في الظل. مد يده الصغيرة – لا ينسى أن يلمس طرف أنفه كالعادة! – ووجد بذرة ملساء ذات خطوط بنفسجية ودوائر ذهبية. همس: "يا للعجب! بذرة كأنها تحمل في قلبها قوس قزح!"
لكن رنان تأفف، وقال: "البذور مزعجة، تظل تنتظر وتنتظر، وليس فيها إلا الصبر الممل! هل ستسألها هي أيضاً؟"
أصر المستكشف الفضولي، وجلس بجانب الإبريق، يلف البذرة بين أصابعه ويغني: "نقطة مطر... رنة إبريق... سر صغير تحت أوراق الطريق!" تسللت نسمة لينة حاملة رائحة التراب الدافئ، وكل شيء بدا وكأنه يصغي لهذا اللغز الجديد. البذرة لم تتكلم، لكن خطوطها بدت وكأنها ترسل ضوءاً خفيفاً في كف الطفل.
أتعلم يا صديقي؟ أحياناً، اللغز الحقيقي هو كيف تشعر الأشياء حين تلمسها أو تراها لأول مرة!
حين غمزت الشمس من بين أوراق الشجر، لمع خط ضوئي من البذرة، متجهاً نحو جدول الماء. تمتم المستكشف الفضولي: "انظر يا رنان! السر يقودنا!" لكن رنان تأخر قليلاً، يهز غطاءه وهو يتثاءب: "آه، هذا كثير من الحركة لإبريق ماء عجوز!"
الطفل سار وراء الخط الضوئي، يلمس بين حين وآخر أنفه بظهر يده ويتبع الأثر. تحت كل ورقة مر بها، رأى قطرة ماء تشع بلون مختلف: أزرق هنا، أخضر هناك، وأصفر كالليمون خلف جذع صغير. كان يسمع طقطقة الأغصان تحت قدميه، ورنيناً خفيفاً كلما بادر رنان للحاق به ببطء: "انتظرني، قدمي قصيرة ومقبضي يعلق بالأعشاب!"
كل قطرة ماء بدت وكأنها ترشدهم، حتى وصلت إلى بقعة مضيئة حيث الضوء يرقص فوق بركة صغيرة. هناك، ظهرت على سطح الماء دوائر ذهبية، مثل التي على البذرة، تدعو الطفل ليقترب أكثر. يا سلام! كل شيء في الغابة صار لغزاً ينتظر أن يُكتشف مع كل "فش فش، طنطن، نقرة أنف"!
عندما وصل المستكشف الفضولي إلى البركة، كان عليه أن يضع البذرة وسط دوائر الضوء. تردد قليلاً، يلمس أنفه ويتمتم: "هل ستنام البذرة هنا أم ستصحى وتكبر فجأة؟" أما رنان فجلس على حجر قريب يهز غطاءه بضجر: "أوه، البذور تنمو ببطء شديد، هذا ممل... ألا يمكننا أن نسمع شيئاً يرن سريعاً؟"
لكن الطفل ابتسم وربت على البذرة وهمس: "الصبر يا بذرتي، فكل قطرة ماء هنا لها أغنية. لن أنتظر وحدي، رنان سيغني معي!"
أطلق رنان نفخة بخار صغيرة، لكنه بدأ يدندن لحناً خافتاً: "طنطن... طنطن... كل يوم قطرة ومطر." غمس المستكشف الفضولي البذرة في البركة، وعيناه تتبع دوائر الضوء التي بدأت تتسع. شعر بتيار ماء دافئ يمر فوق قدميه، وأصوات الضفادع تدق مثل طبول هادئة. لم يحدث شيء في البداية... لكن الطفل ضحك وقال: "نقطة مطر... رنة إبريق... أسرار الغابة لا تستعجل الطريق!"
وأخيراً، في هدوء المساء حين بدأ الضوء يلين ويميل فوق البركة، حدثت معجزة صغيرة. برعم أخضر دافئ خرج من الماء، يكبر ببطء، وينمو ليصبح غصناً يحمل أوراقاً تشبه قطرات المطر. كل ورقة تهتز مع النسيم وتصدر همسة ناعمة. جلس المستكشف الفضولي بجوار الشجرة الجديدة، يحك طرف أنفه وينام في حضن ظلها العذب.
رنان أصبح أقرب، يضع غطاءه بجانب الجذع ويغني بنغمة أرق: "طنطن... طنطن... كل ورقة حلم وكل قطرة أمل." امتدت أغصان الشجرة لتغطي الطفل والإبريق بظل أخضر ناعم. الهواء صار دافئاً يشبه حضن الغيمة، وأصوات الليل كأنها مسحورة، هادئة كألحان النجوم.
غفت الجدائل المجعدة فوق العشب، وظل الندى يلمسها برقة، وآخر رائحة في الأفق كانت عطر أوراق الشجرة الجديدة. أتعرف؟ أحياناً، عندما تصبر البذرة، تستطيع أن تحتضن الغابة كلها... وهكذا نام المستكشف الفضولي، وعدسته تتلألأ، وأغنية الغابة تهمس: "نقطة مطر... رنة إبريق... وحلم صغير ينام في حضن الطريق..."