في صباح دافئ داخل القلعة السحرية، كان يملأ الجو رائحة خبز دافئ يخرج من الفرن الكبير، فتدغدغ الأنوف وتدعو البطون لتهتز بهدوء. جدران القلعة كانت تلمع تحت أشعة الشمس وكأنها مدهونة بالعسل الذهبي، والأرضية باردة وملساء تحت أقدام الأميرة الطيبة. كانت الأميرة تدندن دائماً: "همهم... همهمم... همهمما!"، وتحرك أصابع يدها في الهواء كما لو كانت تعزف على بيانو خفي. في زاوية المطبخ، جلس الحكيم جدون، ذو اللحية البيضاء الطويلة ونظاراته المستديرة، يصفّر بصوت يشبه زقزقة طائر الكوكو، ويقلّب في كتاب سميك جداً. كان يلبس معطفاً أخضر عليه رسومات لورق الشجر ويحمل عصا مصنوعة من خشب التفاح. نظر جدون للأميرة وقال بنبرة رخوة: "هل تستطيعين سماع أغنية القلعة اليوم، يا صغيرتي؟"
وكانت الأميرة الطيبة تدور في المكان بخفة، وتحاول تقليد صفارته، وفجأة توقفت وقالت: "همهم... أسمع شيئاً جديداً، يا جدون!". هنا، يا صغيري المستمع، بدأت الحكاية تهمس في الأرجاء...
بينما كانت الأميرة الطيبة تدندن لحنها وتقلّد همهمات جدون، سمعت فجأة تغريدة غريبة تأتي من نافذة المطبخ. رفعت طرف عباءتها الوردية وقفزت بنقزة صغيرة، ثم اقتربت من النافذة، فإذا بعصفور أزرق صغير يقف على الحافة، وريشه يلمع وكأنه مرشوش بالندى. فتح العصفور منقاره وهتف: "زقزق... زقزق... هل لديك لحن جديد لي اليوم؟". ضحكت الأميرة بصوت خفيف ورددت: "همهم... همهمم... اليوم أغني لك لحن الزهور!". وبينما هي تدندن، بدأت الزهور في الحديقة تهتز وتتمايل، وانفتح في العشب صندوق صغير فضي لم تره من قبل.
أشار جدون من مكانه وقال: "ذلك صندوق العجائب، لا يُفتح إلا بلحن طيب!". رفعت الأميرة الطيبة حاجبها بدهشة، ثم أنزلت يدها وأشارت بإصبعها المميز على الزهرة البنفسجية خلف أذنها، وقالت: "همهم... هل نكتشف ما في الداخل؟". هنا، يا صغيري، بدأت المغامرة تدغدغ أطراف الحكاية.
خرجت الأميرة الطيبة إلى الحديقة، وعباءتها الوردية ترفرف بهدوء، وزهرتها البنفسجية تتمايل مع كل خطوة. راحت تدندن لحنها: "همهم... همهمم... دندن..."، والعصفور الأزرق يطير حولها، يطقطق بجناحيه ويغني: "زقزق... زقزق!". كانت الشجيرات الصغيرة تتراقص مع كل همهمة، وأوراقها تصدر أصواتًا خفيفة مثل: "فشفشة... فشفش!". اقتربت الأميرة من الصندوق الفضي، وركعت بجوار العشب المبتل. لمست الصندوق بطرف إصبعها المميز، فسمعت طنينًا خفيفًا. رفعت الغطاء، فإذا بداخله ريشة زرقاء لامعة وكلمة مكتوبة بخط مرح: "اللحن الطيب يفتح القلوب!".
حكيم جدون اقترب بخطوات بطيئة، وجلس على حجر مسطح، وضرب عصاه ثلاث مرات، فبدأت الفقاعات تتطاير من حولهم. قال جدون وهو يرفع حاجبيه: "كل لحن طيب يصنع عجبًا صغيرًا... جربي أن تغني للريح يا أميرة!". التفتت الأميرة بابتسامة، وقالت: "همهم... مستعدة للاكتشاف!". هل ترى يا صغيري كيف تتراقص الأشياء في هذه القلعة؟
جلست الأميرة الطيبة فوق العشب، أمسكت بالريشة الزرقاء بين أصابعها الصغيرة، وأغمضت عينيها وهمهمت: "همهم... همهمم... لحن الريح يهب... فاهمهم...". تسللت نسمة خفيفة من بين الأشجار، وحملت لحن الأميرة بعيدًا. ومع كل همهمة، صارت أوراق الشجر تلمع كالذهب، وسمعت النحلات ترن في الزهور: "زننن... ززز!". فجأة، ظهرت على جانب الصندوق الفضي علامة جديدة: زهرة صغيرة تفتح وتغلق.
ضحك حكيم جدون وقال: "كل من ينشر لحنًا طيبًا، يزرع زهرة في قلب أحدهم!". مسحت الأميرة على شعرها المجدول وقالت: "همهم... إذًا كل همهمة صغيرة تصنع سعادة كبيرة!". لو كنت هناك، يا صغيري، لسمعت الريح تهمهم مع الأميرة، ولرأيت الزهور ترقص وتغني دون أن تنطق بكلمة.
مع حلول المساء، جلست الأميرة الطيبة على عتبة القلعة، وعباءتها الورديّة تغمرها دفئًا ناعمًا. جلست بجانبها زهرتها البنفسجية وعصفورها الأزرق، بينما ظل جدون يصفّر لحناً هادئاً في الخلفية. كان الهواء يعبق بعطر الزهور المبللة والخبز الطازج، وتغطي الأضواء الذهبية المكان مثل بطانية خفيفة. همهمت الأميرة بلطف: "همهم... همهمم... كل قلب له لحنه الخاص...". كانت النجوم تومض ببطء فوقها، والقطرات الندية تلتمع على عشب الحديقة. أغمضت عينيها، وبقيت تدندن حتى خفت الأصوات، وكأن الليل كله يهمس معها: "همهم...همهمم... همهمما...".
صمتت الحكاية في حضن الليل، وغطت القلعة السحرية في نعاس هادئ. ربما يا صغيري، وأنت تغلق عينيك الآن، تسمع همهمة الأميرة تدفئ قلبك...