"اسمع يا بسبوس، لو همستُ الأغنية، هل ستتفتح الأزهار أم ستسقط الريشات؟" سأل جاسم وهو يدور طرف قلادته الريشية بين أصابعه الصغيرة. كانت الغابة المسحورة تهمس حولهما بأوراقها وترش رائحة المطر الخفيف في الجو، بينما انحنى بسبوس، الأرنب الرمادي ذو الأذن المطوية، يحك أنفه في الأرض. طنين بعيد من نغمة مبهمة تسلل بين الجذوع، وصفير الريح كان كأنفاس خفيفة فوق العشب.
بسبوس غمغم وهو يلف لحيته المضحكة حول إصبعه: "أغنياتك يا جاسم، تجعل ذيلي يرتجف! لن أجربها معك!" لكنه بقي قريبًا، ينظر من طرف عينه اللامع. كان جاسم، كما يحب دومًا، يدغدغ أنفه بريشته البنفسجية كلما شعر بالحيرة. وردد بخفة، كعادةٍ عند التردد: "هل أُجَرِّبُ الآن أم أنتظر الندى؟" كان في الغابة نداء خفي، ولو أصغيتَ جيدًا، تسمع: "همهم… همهم… هل ستجربون؟"
أيها المستمع الصغير، لو كنت هناك، هل كنت ستجرب نغمة جاسم الغامضة تحت الشجرة العملاقة ذات الأوراق المتراقصة؟
سبح جاسم بخطواته بين الأغصان، يهمس لقلادته: "دغدغ… دغدغ… هل تسمعين؟" كان صوت الماء يأتي من بعيد، يقطر مثل لحن خفي. اقترب أكثر، فشم رائحة الندى البارد، وسمع خريرًا يهمس: "دو… ري… مي…".
فجأة، ظهرت نافورة حجرية صغيرة، تتوسطها زهرة زرقاء تتراقص فوق الماء. لم يكن بسبوس يريد التقدّم، بل تراجع وقال بفمه الممتلئ: "النافورات التي تغني تخبئ الفجاءات! لستُ من محبي المفاجآت، جاسم!"
لكن جاسم، وهو يسحب خصلة شعره المجعدة فوق جبينه ليرى جيدًا، لمح شذى الألحان يتلألأ كخيوط ضوء صغيرة حول الزهرة. لمست أصابعه الماء فارتجف المكان، وسمع صوتًا كأن الطيور تضحك في الجو. كانت النغمة سحرية: "همهيم… نغنغ… دوم دوم…"
هل سيتجرأ جاسم على دندنة اللحن؟ هناك شيء ينتظر فقط من يملك قلبًا يرتجف ثم يُغنّي!
كان قلب جاسم يدق مثل طبلة صغيرة. رفع القلادة إلى فمه وهمهم: "همهيم… نغنغ… دوم دوم…". تراقصت النغمات فوق الماء، وتحولت الزهرة الزرقاء إلى فراشة ترفرف بجناحين أرجوانيين!
بسبوس قفز للخلف، أذنه المطوية ترتعش: "آه، لقد قلبت النغمة العالم! لن أقترب أكثر!" لكن جاسم لمح أن الفراشة رسمت دائرة من الضوء حول النافورة، وكأنها تدعو بسبوس للداخل. تردد الأرنب، ثم همس لنفسه وهو يشد لحيته: "قلوب الأرانب تعرف أن التردد أحيانًا أمان، لكن… ربما… لا بأس بمحاولة صغيرة."
بخطوات خفيفة، دخل بسبوس الدائرة. جاسم، كما يفعل كلما احتاج شجاعة، دغدغ أنفه بريشته البنفسجية وهمس: "همهيم… نغنغ… دوم دوم… سنرى ماذا يحدث!" كان كل شيء يلمع، والحكاية تكبر أكثر فأكثر، تهمس: "ماذا لو جربت أنت؟"
وقف بسبوس أخيرًا قرب جاسم، يشم رائحة العشب المبلول ويهمس: "أظنني أستطيع… ربما أغني معك، بقليل من الهمهمة فقط!" ضحك جاسم، يلوح بريشته فوق أنفه كالعادة: "لننغنغ معًا يا بسبوس!"
بدأ الاثنان يهمهمان: "همهيم… نغنغ… دوم دوم…". تفتحت حولهما زهور أرجوانية وصفراء، وارتفعت الفراشة فوق رأسيهما. كان في الغابة صوت جديد، كأن الأشجار تصفق بهدوء، والندى يغني معهم. حتى بسبوس، حين انتهى اللحن، قفز في المكان ولامس بأنفه أنف جاسم.
قال بسبوس بصوت لم يسمعه جاسم من قبل: "ربما أغنياتك ليست مخيفة أبدًا… بل هي جسر صغير بين قلبي وقلبك!"
أيها الصغير، لو كنت هناك، هل كنت ستنغنغ معنا؟
عندما هدأ النغم، جلس جاسم وبسبوس بين الزهور المتفتحة. كان النسيم يداعب وجنتهما، ورائحة الندى تملأ الهواء. دغدغ جاسم أنفه بالريشة وتثاءب، بينما بسبوس لف أذنه حول نفسه كوشاح صغير. الأشجار أضاءت بضوءٍ خافت، والفراشة صارت نجمة تلمع في الأعلى، تهمس للغابة: "همهيم… نغنغ… دوم دوم… ليلة سعيدة يا أصدقاء!"
جاسم شد عباءته الخضراء حول كتفيه، وهمس: "كل قلبٍ يرتجف، يستطيع أن يغني لحنه لو تجرأ وبدأ." أغمض عينيه، وبق beside بسبوس، انسلّا في نوم هادئ، مع أصوات الغابة الناعسة: خرخرة العشب، ونَقْرُ قطرات الندى، وهمسات الأغصان.
الضوء صار ذهبياً دافئًا، ثم بدأ يتلاشى، حتى بقيت فقط الأغنية تتردد كحلم ناعم في قلب الغابة… وهمهيم… نغنغ… دوم دوم…